بدأت الصين تضاهي حضورها الاقتصادي المتنامي في الخارج بقدرة عسكرية تتيح لها العمل في مناطق بعيدة عن أراضيها، وفقًا لما يوضحه محمد إبراهيم حافظ وسيباستيان كونتين ترييو-فيجيروا، اللذين يرصدان في هذا المقال كيف تكشف المناورات الجوية الأخيرة في مصر عن تطور قدرة بكين على دعم مصالحها الاقتصادية بقوة عسكرية قادرة على الانتشار عبر القارات.


وأشارت ساوث تشاينا مورنينج بوست، في مقال رأي للكاتبين، إلى أن أوضح دليل على هذا التحول ظهر في مصر، حيث وصلت مقاتلات صينية من طراز J-16 مؤخرًا، مدعومة بطائرات التزود بالوقود جوًا من طراز YU-20، للمشاركة في تدريبات «نسور الحضارة» إلى جانب مقاتلات رافال وميج-29 المصرية. وتعد هذه المرة الأولى التي ترسل فيها الصين هذه المقاتلات إلى أفريقيا، ما يمنح قواتها خبرة في نقل قوة قتالية عبر القارات والعمل إلى جانب قوة عسكرية عربية كبرى.


سبعة عقود من العلاقات المصرية الصينية


تتزامن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر مع إحياء الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وخلال هذه العقود، تطورت العلاقات من الدبلوماسية والتجارة إلى مجالات البنية التحتية والتكنولوجيا، وصولًا إلى التعاون العسكري.


وترسخت المصالح الاقتصادية الصينية بصورة كبيرة حول قناة السويس، حيث أنشأت الشركات الصينية عمليات للتصنيع والخدمات اللوجستية، مستفيدة من موقع مصر كقاعدة للإنتاج والتوزيع تربط سلاسل الإمداد الخاصة بها بالأسواق الأوروبية والأفريقية وأسواق الشرق الأوسط.


ولا يزال هذا الحضور يتوسع. ووقعت شركات مصرية 17 عقدًا لتصدير منتجاتها إلى مشترين صينيين بقيمة بلغت 168 مليون دولار خلال الشهر الماضي.


وقدرت الاستثمارات الصينية في مصر خلال النصف الأول من عام 2026 بما يصل إلى ملياري دولار، ذهب جزء كبير منها إلى توسعة مشروعات قائمة بالفعل، ما يعكس استمرار اهتمام بكين بتعزيز حضورها الاقتصادي داخل السوق المصرية.


التجارة والاستثمارات الصينية.. حضور متزايد وعجز مصري


وسعت بكين كذلك نطاق المعاملة الجمركية الصفرية لتشمل السلع المصرية، فأزالت رسومًا جمركية كانت تصل إلى 30%.


ورغم هذه الخطوة، تظل العلاقة التجارية بين البلدين غير متكافئة بصورة واضحة، إذ تجاوز عجز مصر التجاري مع الصين 18 مليار دولار خلال العام الماضي.


ويعكس ذلك مفارقة أساسية في تطور العلاقات المصرية الصينية. فمن ناحية، تواصل الشركات الصينية توسيع وجودها في قطاعات التصنيع والخدمات اللوجستية والبنية التحتية، مستفيدة من الموقع الاستراتيجي لمصر وقدرتها على ربط الأسواق الآسيوية بالأوروبية والأفريقية والشرق أوسطية.


ومن ناحية أخرى، تواجه مصر تحديًا مستمرًا في تحقيق استفادة اقتصادية أكثر توازنًا من هذه العلاقة، في ظل اتساع الفجوة التجارية مع الصين.


من النفوذ الاقتصادي إلى القوة العسكرية


تكشف المناورات الجوية المشتركة في مصر عن تحول مهم في طبيعة الحضور الصيني خارج حدود البلاد. فبعد عقود من بناء مصالح اقتصادية في الخارج، تعمل الصين على تطوير القدرة اللازمة لحماية هذه المصالح ودعمها من خلال حضور عسكري يمكنه الانتشار والعمل في بيئات بعيدة.


وتبرز مشاركة مقاتلات J-16 وطائرات التزود بالوقود YU-20 في التدريبات المصرية باعتبارها مؤشرًا على قدرة القوات الجوية الصينية على تنفيذ عمليات انتشار بعيدة المدى، وليس مجرد المشاركة الرمزية في تدريبات عسكرية خارجية.


وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها المرة الأولى التي ترسل فيها الصين مقاتلات J-16 إلى أفريقيا، وهو ما يمنح الجيش الصيني فرصة لاختبار قدراته في نقل قوة قتالية إلى قارة أخرى والعمل في ظروف تشغيلية مختلفة، فضلًا عن التعاون المباشر مع القوات المسلحة المصرية.


كما تفتح التدريبات المجال أمام بكين لتعزيز خبرتها في العمل العسكري مع قوة إقليمية رئيسية في العالم العربي، بالتزامن مع اتساع نطاق العلاقات المصرية الصينية من الاقتصاد والبنية التحتية إلى التكنولوجيا والدفاع.


وتشير التطورات الأخيرة إلى أن العلاقات بين القاهرة وبكين تدخل مرحلة جديدة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع القدرات العسكرية. فوجود الشركات الصينية حول قناة السويس، واستثماراتها في قطاعات التصنيع والخدمات اللوجستية، وتنامي حجم التجارة والاستثمارات، كلها عوامل تزيد أهمية قدرة الصين على الوصول إلى المناطق التي تتركز فيها مصالحها.


وتقدم المناورات المشتركة في مصر نموذجًا واضحًا لهذه المعادلة، إذ تختبر الصين من خلالها قدرتها على نقل قواتها الجوية لمسافات بعيدة، بينما تتيح لمصر توسيع نطاق التعاون العسكري مع قوة دولية أخرى إلى جانب شركائها التقليديين.


ويشير هذا المسار إلى أن النفوذ الصيني خارج حدود البلاد لم يعد يعتمد على الاقتصاد والتجارة والاستثمار وحدها، بل بدأ يكتسب بعدًا عسكريًا أكثر وضوحًا، مع سعي بكين إلى تطوير القدرة على العمل في المناطق التي ترتبط فيها مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.

 

https://www.scmp.com/opinion/china-opinion/article/3365853/china-egypt-joint-drills-show-beijings-military-reach